يستعرض هذا النص مفارقة الاقتصاد الليبي بين وفرة الإيرادات النفطية واستمرار الاختلالات المالية والاقتصادية، في ظل الانقسام السياسي وتضخم الإنفاق العام وضعف تنويع مصادر الدخل.
كما يتناول تأثير تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للمواطنين، وحدود دور مصرف ليبيا المركزي في احتواء الأزمة، وصولاً إلى الحلول التي يطرحها الخبراء لتحقيق الاستقرار المالي، وضبط الإنفاق، ومكافحة الفساد، وضمان توظيف الثروة النفطية لخدمة الاقتصاد والمواطنين.
◼️ اقتصاديون ليبيون لـ CNBC عربية: معالجة الأزمة الليبية تتطلب وقف الهدر المالي وإنهاء الإنفاق الموازي على حكومتين في شرق البلاد وغربها إلى جانب تشكيل حكومة موحدة.. والمواجهة الصارمة للفساد تمثل ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار المالي والاقتصادي
يمتلك الاقتصاد الليبي مقومات مالية في مقدمتها الثروة النفطية التي تتيح للبلاد تحقيق إيرادات هائلة، لا سيما مع ارتفاع أسعار الخام، غير أن هذه الموارد لم تنجح في توفير استقرار اقتصادي مستدام، في ظل استمرار الانقسام السياسي بالبلاد، وتعدد مراكز القرار، وتنامي الإنفاق العام، بما يثير تساؤلات بشأن قدرة الدولة على تحويل عائدات النفط إلى مكاسب تنعكس على الأوضاع المعيشية للمواطنين.
تتجاوز التحديات الليبية مسألة حجم الإيرادات النفطية إلى كيفية إدارتها وتوزيعها، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة.. كما يحد الاعتماد الكبير على النفط وضعف تنويع مصادر الدخل من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، بينما يستنزف استيراد المحروقات جانباً من الموارد التي كان يمكن توظيفها في دعم الاستقرار المالي.
على مستوى الاقتصاد المحلي، تتداخل اختلالات المالية العامة مع ضغوط سعر الصرف والتضخم، لتضع القدرة الشرائية لليبيين أمام تحديات متزايدة. فخفض قيمة الدينار، وارتفاع الدولار في السوق الموازية، والاعتماد الواسع على السلع المستوردة، عوامل تعزز الضغوط على الأسعار، في وقت يواجه فيه مصرف ليبيا المركزي صعوبات مرتبطة بغياب موازنة عامة موحدة ومنضبطة، وتزايد الالتزامات المالية وتعدد الجهات التي تتولى الإنفاق.
وفي ظل التغيير الذي شهدته قيادة المصرف المركزي، تتجدد التساؤلات بشأن فرص احتواء الأزمة، وحدود قدرة السياسة النقدية وحدها على معالجة اختلالات تتجاوز نطاقها إلى بنية الاقتصاد وإدارة الموارد العامة.
إيرادات النفط
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، فإن إيرادات صادرات النفط بلغت 17.863 مليار دولار في النصف الأول من 2026، بزيادة عن 51.1 مليار دينار ليبي (8.05 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي.
وتكشف بيانات البنك المركزي الليبي عن العام 2025، ارتفاع إيرادات النفط في البلاد إلى 99.6 مليار دينار ليبي وذلك مقارنة مع 76.7 مليار دينار ليبي في العام 2024، و 99.1 مليار دينار في عام 2023.
ويبلغ حجم إنتاج النفط في ليبيا حاليا نحو 1.4 مليون برميل يوميا. وشهد إنتاج النفط في البلاد اضطرابات متكررة لأسباب سياسية وفنية وأمنية منذ 2011. ويشكل إنتاج النفط المصدر الاقتصادي الرئيسي في ليبيا، إذ يمثل نحو 90 % من إيرادات الدولة.
وتستفيد الدول المنتجة من بيئة أسعار النفط المرتفعة، والتي تغذيها الاضطرابات في المنطقة تحت وطأة تصاعد الهجمات وتداعيات حرب إيران، وبضغط من حالة عدم اليقين التي تلف الإمدادات وأمن الطاقة.
غير أن رئيس قسم البحوث الاقتصادية والاجتماعية بالمركز الليبي لابحاث الصحراء وتنمية المجتمعات الصحراوية، صالح الفرجاني، يقول لـ CNBC عربية، إن ارتفاع أسعار النفط، رغم ما يوفره من دعم للإيرادات، قد يمثل مجرد "جرعة مسكنة" ما لم يُستغل في تحقيق الاستقرار المالي ومعالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد.
ويشدد على أن "ليبيا تفتقر إلى رؤية اقتصادية واضحة في ظل الانقسام السياسي". كما أنه يرى أن "تغيير محافظ مصرف ليبيا المركزي لن يكون حلاً للأزمة في حد ذاته".
ويلفت الفرجاني إلى أن معالجة الأزمة الليبية تتطلب وقف الهدر المالي وإنهاء الإنفاق الموازي على حكومتين في شرق البلاد وغربها، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة، مؤكداً أن المواجهة الصارمة للفساد تمثل ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار المالي والاقتصادي في ليبيا.
ويضيف الخبير الاقتصادي الليبي، في سياق متصل، أن الأصوات التي تدعو إلى الدولرة باعتبارها مخرجاً للأزمة لا تقدم حلاً حقيقياً ومستداماً.
تباين التقديرات
ويشار إلى أن ثمة تباين -مثير للجدل- فيما يخص الأرقام الرسمية المعلنة من جانب مؤسستين رئيسيتين بالبلاد (مصرف ليبيا المركزي) و(المؤسسة الوطنية للنفط)، وهو تباين يُظهر فجوة بمئات الملايين، ويعكس حالة الانقسام الاقتصادي بالبلاد.
وكان مصرف ليبيا المركزي قد أعلن الشهر الجاري عن إن إيرادات النفط سجلت في النصف الأول من الشهر تقريباً إلى 361 مليون دولار وصلت إلى حساباته حتى 14 أكتوبر/ تشرين الأول، بينما تشير تقديرات المؤسسة الوطنية للنفط إلى تسجيل 1.448 مليار دولار، في فجوة واسعة تتجاوز المليار دولار.
اقتصاد ريعي
ويعتمد الاقتصاد الليبي على النفط بوصفه المصدر الرئيسي للإيرادات، ما يجعله اقتصاداً ريعياً يواجه العديد من التحديات، من بينها التضخم وارتفاع الأسعار، فضلاً عن ضعف تنويع مصادر الدخل والاعتماد الكبير على سلعة واحدة، بحسب الاستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة سبها، مصباح السالم، لـ CNBC عربية.
وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط وما يمكن أن يوفره من إيرادات إضافية للدولة الليبية، فإن ليبيا "لم تتمكن من الاستفادة الكافية من هذه الظروف، أو توظيف الإيرادات المتراكمة لدعم الاستقرار المالي" فقد استُنزف جانب كبير من الإيرادات في استيراد المحروقات، ما حدّ من قدرة الدولة على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط وتحويله إلى مكاسب اقتصادية مستدامة"، وفق السالم.
وسجل إجمالي الصادرات الليبية خلال النصف الأول من العام الجاري 17.86 مليار دولار، مقابل واردات سلعية بقيمة 11.6 مليار دولار (4.6 مليار دولار من بينها للمحروقات)، وفق وزارة الاقتصاد.
ويرى السالم أن جوهر المشكلة في الاقتصاد الليبي يتمثل في الإنفاق العام غير المنضبط، في ظل إيرادات محدودة لا تتناسب مع الزيادة المستمرة في النفقات.
وسجل إجمالي الإنفاق العام في ليبيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقابل إيرادات بلغت 114.5 مليار دينار. ووفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغت النفقات الخاصة بالرواتب 60.6 مليار دينار، فيما بلغ الإنفاق ضمن (النفقات التسييرية) 12.1 مليار دينار. وتشمل هذه النفقات رواتب بعض الجهات والهيئات، إلى جانب 5.52 مليار دينار نفقات تشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط.
المصرف المركزي
وفي ظل التغيير الذي شهدته إدارة مصرف ليبيا المركزي، يعتقد الاستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بأن "الأولوية يجب أن تكون للمطالبة بموازنة عامة موحدة ومنضبطة، والعمل على إصلاح المالية العامة وتحقيق التنسيق بين السياستين المالية والنقدية"، مشدداً على أنه "إذا لم تضع الإدارة الجديدة بالمصرف هذه المطالب في مقدمة أولوياتها، فإنها ستواجه المشكلات نفسها التي واجهتها الإدارة السابقة".
ووافق مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على استقالة محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى، وكلف عضو مجلس الإدارة فوزي مصباح أبوخزام بتسيير المهام، بحسب ما أعلنه المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، يوم الخميس.
وكان عيسى - منصبه في عام 2024 بعد موافقة مجلس النواب ومجلس الدولة على تعيينه - قد قدم استقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في أغسطس/ آب، قائلا إنه لا يستطيع الاستمرار في منصبه دون توضيح الأسباب، وفق ما نقلته رويترز.
ضغوط التضخم
ويشار إلى أنه في بداية العام 2026، خفّض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار الليبي بنحو 15 % مقابل العملات الأجنبية، ومنها الدولار واليورو.
وفي هذا السياق، يعتقد الخبير الاقتصادي بأن هذا القرار كان أثره السلبي أكبر من إيجابياته "إذ كان من الممكن طرح حلول بديلة، مثل إصدار السندات أو شهادات الاستثمار والتمويل، والاستفادة من جزء من الاحتياطيات، بدلًا من اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة"، على حد وصفه.
لكن المشكلة الأساسية -في تقدير السالم- لا تكمن في سعر الصرف وحده، وإنما في اختلال المالية العامة وغياب الانضباط المالي" فقد أدى الانقسام السياسي والصراع القائم في ليبيا إلى غياب موازنة عامة موحدة ومنضبطة، ما تسبب في اختلال كبير بين الإيرادات والنفقات؛ فالإيرادات تظل محدودة وشبه ثابتة، بينما تتزايد النفقات باستمرار، وهو ما يؤدي إلى تفاقم العجز ويضع المصرف المركزي أمام صعوبات في تلبية احتياجات الحكومات التمويلية والوفاء بالالتزامات المالية تجاه الاقتصاد والمواطنين".
وليبيا منقسمة منذ عام 2014 إلى سلطتين متنافستين، واحدة في الشرق والأخرى في الغرب، انبثقتا عن الاضطرابات التي أعقبت سقوط معمر القذافي في 2011. والمجلسان هما مجلس النواب في الشرق، الذي انتُخب في عام 2014، والمجلس الأعلى للدولة في الغرب، الذي تم اختيار أعضائه من برلمان انتُخب عام 2012.
وفي سياق متصل بالضغوط الاقتصادية في ليبيا، يتحدث الاستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة سبها، عن معدلات التضخم بالبلاد، مشيراً إلى أن السوق الليبية شهدت خلال الأشهر القليلة الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السلع، نتيجة ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية في السوق الموازية، فقد وصل سعر الدولار إلى نحو 10 دنانير ليبية، وهو مستوى مرتفع ينعكس مباشرة على أسعار السلع، لا سيما أن معظم السلع المتداولة في السوق الليبية مستوردة، ما يجعل ارتفاع تكلفة الاستيراد عبئًا يتحمله المستهلك في نهاية المطاف.
ويأتي ذلك بالتزامن مع موجة تضخم عالمية، إذ أسهمت الاضطرابات التي شهدتها أوروبا والعالم خلال الفترة الماضية في زيادة أسعار العديد من السلع والاحتياجات الأساسية، وهو ما انعكس أيضاً على الاقتصاد الليبي.
وتُظهر بيانات صندوق النقد الدولي في أكتوبر الجاري، ارتفاع معدل التضخم السنوي في ليبيا إلى نحو 14%، مقارنة بنحو 9% في فبراير/ شباط الماضي، بزيادة تقارب 5 نقاط مئوية.
كيف يتحقق الاستقرار المالي والاقتصادي في ليبيا؟
من جانبه، يشدد وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية على ضرورة وجود إدارة رشيدة تمتلك القرار المستقل، ولا تكون مرتهنة للجماعات المسلحة، مع توحيد السياسات النقدية والتجارية والاقتصادية، وتحمل مسؤولية ضبط الموانئ والمطارات والحدود، بما يضمن توجيه الموارد إلى الاقتصاد الحقيقي، بعيداً عن استنزاف الثروات لمصلحة الجماعات المسلحة والجهات المتنفذة.
ويؤكد أن تحقيق ذلك ليس مستحيلاً، وإنما يتطلب إرادة حقيقية واتباع سياسات دقيقة، مشدداً على أن ليبيا تمتلك موارد اقتصادية جيدة، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار النفط، لكن ضعف الإدارة، وسيطرة الجماعات المسلحة، والانقسام السياسي، حولت مؤسسات الدولة ومواردها إلى ساحة للصراع، تسعى فيها أطراف سياسية ومجموعات مسلحة وجهات متنفذة إلى السيطرة على الأموال والإمكانات المتاحة.
ويضيف أن هذا الواقع لا يمكن أن يبني دولة، مشدداً على أهمية توافر إرادة حقيقية لضبط الإنفاق الحكومي المتزايد، وكبح جماح الفساد أينما وجد. كما يعرب عن تطلعه إلى أن يتمكن مصرف ليبيا المركزي، في ظل إدارته الجديدة، من ضبط سعر صرف الدينار الليبي مقابل الدولار، مؤكداً مجدداً أن تحقيق الاستقرار ليس أمراً مستحيلاً.
ويرى أن ارتفاع أسعار النفط يمثل فرصة مهمة للاقتصاد الليبي، شريطة "السيطرة على الفساد"، الذي يقول إنه استنزف عائدات النفط والمدخرات، وأثر في استقلالية مصرف ليبيا المركزي. ويحمّل الجهات التي تمتلك سلطة اتخاذ القرار مسؤولية معالجة هذا الوضع، مشيراً إلى أن استمرار الفساد، حتى داخل الجهات المسؤولة عن إدارة الدولة، يفتح المجال أمام التهريب وتوظيف الأموال بعيداً عن مصلحة المواطن، على حد وصفه.
ويعبر عن أسفه لغياب جهة قادرة فعلياً على تحمل المسؤولية وفرض القانون، معتبراً أن هذا الخلل يعرقل حماية المال العام وضمان توجيه الموارد لخدمة المواطنين.
وفيما يتعلق بقيادة مصرف ليبيا المركزي، يعبر المصدر عن أمله في أن يتمكن المسؤول الذي جرى الدفع به، والذي يصفه بأنه من التكنوقراط ذوي التوجه الوسطي، من اتخاذ قرارات حاسمة وتطبيق القانون بشجاعة، بعيداً عن التدخلات الجانبية والضغوط التي قد تعوق عمل المصرف. ويشير إلى أن عدداً من الأطراف الفاعلة لا يُظهر، بحسب تقديره، القدر الكافي من المسؤولية اللازمة لحماية المصرف المركزي ومؤسسات الدولة.
ويختتم تحذيره بالإشارة إلى أن ناقوس الخطر بدأ يدق بشأن الأوضاع المعيشية لليبيين، بما يشمل قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والشراب، محذراً من مسار يثير القلق بشأن مستقبل المواطنين وموارد البلاد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي